الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

244

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

نعم ، كانت ذرات وجود هذا الانسان متناثرة في كل صوب وبين الأتربة ، بين أمواج قطرات ماء البحر . في الهواء المتناثر في جو الأرض ، وهكذا اختفت المواد الأصلية لوجوده في كل زاوية من زوايا هذه المحيطات الثلاثة ، وقد ضاع بينها ولا يمكن ذكره مطلقا . ولكن هل أن المراد من الإنسان هنا هو نوع الإنسان ، ويشمل بذلك عموم البشر ، أم أن هذا الإنسان يختص بالنبي آدم ( عليه السلام ) ؟ الآية الأخرى التي تقول : إنا خلقنا الإنسان من نطفة قرينة واضحة على المعنى الأول ، وإن كان البعض يرى أن الإنسان في الآية الأولى يراد به آدم ( عليه السلام ) ، والإنسان في الآية الثانية يراد به أولاده ، ولكن هذا الاختلاف في هذه الفاصلة القصيرة مستبعد جدا . وهناك أقوال في تفسير لم يكن شيئا مذكورا منها : إن الإنسان لم يكن شيئا مذكورا عندما كان في عالم النطفة والجنين ، وإنما أصبح ممن يذكر عندما طوى مراحل التكامل فيما بعد ، ففي حديث ورد عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) " كان الإنسان مذكورا في علم الله ولم يكن مذكورا في عالم الخلق " ( 1 ) . وجاء في بعض التفاسير أن المراد بالإنسان هنا هم العلماء والمفكرون الذين لم يكونوا مذكورين قبل انتشار العلم ، وعند وصولهم إلى العلم وانتشاره بين الناس أصبح ذكرهم مشهورا في حياتهم وبعد موتهم . وقيل " إن عمر بن الخطاب " قد سمع أحدا يتلو هذه السورة فقال : " ليت آدم بقي على ما كان فكان لا يلد ولا يبتلي أولاده " ( 2 ) وهذا من عجائب القول ، لاعتراضه على مسألة الخلق . ثم يأتي خلق الإنسان بعد هذه المرحلة ، واعتبار ذكره ، فيقول تعالى إنا

--> 1 - مجمع البيان ، ج 10 ، ص 406 . 2 - المصدر السابق .